الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
290
نفحات القرآن
جمع الآيات وتفسيرها لِمَ يحجب الذنبُ القلوبَ عن الفقه ؟ إنَّ الآية الأولى بعد إشارتها إلى تاريخ وقصص خمسة أقوام من الأقوام السالفة وهم ( قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ) حيث نزل عليهم العذاب الإلهي لتكذيبهم آيات اللَّه ، قالت : « تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ . . . » . إنّ جملة « كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرينَ » لا تشير إلى أي كافر كان ، وذلككثيراً من المؤمنين كانوا في صفوف الكفار والتحقوا بصفوف المؤمنين بعد سماعهم لدعوة الأنبياء ، فالمراد - إذن - ذلك الفريق من الكافرين الذين ألحوا وأصروا على كفرهم ، فان كفرهم هذا يحول دون معرفتهم ورؤيتهم للحق . والشاهد على هذا الكلام هو قوله : « فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ » أي أنّ تعصبهم بلغ درجةً لا تسمح لهم بتغيير طريقتهم والرجوع عن الباطل إلى الحق ، وقد ذكرت خمسة وجوه في تفسير هذه الجملة في تفسير الميزان والفخر الرازي « 1 » ، إلّاأنّ أظهرها هو ما تقدم أعلاه . والآية الثانية بعد ما أشارت إلى سلوك فريق من اليهود وعدائهم للأنبياء قالت : « فَبَما نَقْضِهِمْ مِّيْثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ . . . » . يقول القرآن : إنّهم لا يفقهون شيئاً وذلك لكفرهم فطبع اللَّه على قلوبهم من جراء ذلك . بديهي أنّ المراد من الكفر هنا هو الكفر المتزامن مع العناد ، والكفر المتزامن مع العداء للأنبياء ، والكفر المتزامن مع نقض المواثيق باستمرار والاستهزاء بآيات اللَّه ، ومسلم أن كفراً كهذا يجعل حجاباً على عقل الإنسان لا يسمح لصاحبه أن يدرك الحقائق ، وهذا شيء صنعته أيديهم ولا جبر في البين . ويظهر أنّ مرادهم من « قلوبنا غلف » هو الاستهزاء بآيات اللَّه وبشخصية موسى بن عمران ، لا أنّهم يعتقدون أنّ قلوبهم خُلِقت مغلَّفةً لا تفهم الحقائق ( كما جاء ذلك في بعض
--> ( 1 ) . تفسير الميزان ، ج 8 ، ص 215 ؛ تفسير الكبير ، ج 14 ، ص 186 .